الغزالي

155

إحياء علوم الدين

كالمطر . وقال النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « من أجاع بطنه عظمت فكرته وفطن قلبه » وقال ابن عباس ، قال النبي صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « من شبع ونام قسا قلبه » ثم قال « لكلّ شيء زكاة وزكاة البدن الجوع » وقال الشبلي ، ما جعت لله يوما إلا رأيت في قلبي بابا مفتوحا من الحكمة والعبرة ما رأيته قط وليس يخفى أن غاية المقصود من العبادات الفكر الموصل إلى المعرفة ، والاستبصار بحقائق الحق ، والشبع يمنع منه ، والجوع يفتح بابه . والمعرفة باب من أبواب الجنة . فبالحري أن تكون ملازمة الجوع قرعا لباب الجنة . ولهذا قال لقمان لابنه ، يا بني ، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة ، وخرست الحكمة ، وقعدت الأعضاء عن العبادة . وقال أبو زيد البسطامي الجوع سحاب ، فإذا جاع العبد أمطر القلب الحكمة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « نور الحكمة الجوع والتّباعد من الله عزّ وجلّ الشّبع والقربة إلى الله عزّ وجلّ حبّ المساكين والدنوّ منهم لا تشبعوا فتطفئوا نور الحكمة من قلوبكم ومن بات في خفّة من الطَّعام بات الحور حوله حتّى يصبح » الفائدة الثانية : رقة القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لإدراك لذة المثابرة ، والتأثر بالذكر فكم من ذكر يجرى على اللسان مع حضور القلب ، ولكن القلب لا يلتذ به ولا يتأثر ، حتى كأن بينه وبينه حجابا من قسوة القلب . وقد يرق في بعض الأحوال ، فيعظم تأثره بالذكر ، وتلذذه بالمناجاة . وخلو المعدة هو السبب الأظهر فيه . وقال أبو سليمان الداراني أحلى ما تكون إليّ العبادة إذا التصق ظهري ببطني . وقال الجنيد ، يجعل أحدهم بينه وبين صدره مخلاة من الطعام ، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة . وقال أبو سليمان ، إذا جاع القلب وعطش ، صبا ورق . وإذا شبع عمى وغلظ . فإذا تأثر القلب بلذة المناجاة ، أمر وراء تيسير الفكر ، واقتناص المعرفة ، فهي فائدة ثانية